رسالة من “أليس”: لا تلحقْ الأرنب،قبلَ أن تعرفَ من أنت

لم يكُن الأرنبُ في حكايةِ “أليس في بلاد العجائب” حكيمًا خارقًا، لكنَّهُ بدا مهمًّا بما يكفي لتتبعه “أليس”؛ صدريَّةٌ أنيقة، ساعةُ جيب، عجلةٌ في خطواته، وإيحاءٌ بأنَّه يعرفُ إلى أين يذهب. وهذا كانَ كافيًا. لم تسأل نفسَها لماذا، ولا إن كانَ طريقُهُ يتقاطعُ مع وجهتِها. لحقتهُ دون تفكير، كما نفعل مع كلِّ ما يبدو “صحيحًا” من الخارج.
المشكلةُ ليست في الأرنب، فلا تحقِدْ عليه. خياراتُنا غالبًا انطباعٌ سريع: ما يفعلهُ الجميعُ هو ما ينجح، ومع التكرار، تصيرُ الانطباعاتُ عادات، نصدِّقُها حول أنفسنا.
1.هل يمكنُ أن تكونَ وردةً… دون أن تنتبِه؟
في كتابِ “الأمير الصَّغير” _ذلك الكتابُ الذي لم تخبرْ أحدًا أنَّك بكيتَ في نهايته _ تؤمِنُ الوردةُ أنَّها الوحيدة من نوعها، فتبالِغُ في دلالها، كأنَّ الكونَ منشغلٌ براحتها. وحين يسافرُ الأميرُ الصَّغير، يكتشفُ حديقةً عامرة بالورود! المفارقة أنَّ الوردةَ لم تكذب؛ فقط لم يخبرها أحدٌ بغيرِ ذلك، كما أنَّ الأميرَ ليس ساذجًا، لكنَّ فكرة ندرتها قيلت له بنبرةٍ واثقة، فصدَّقها.
هكذا تتشكَّلُ قصَّتُنا عن أنفسِنا والعالم؛ إذ تُقالُ لنا بثِقَة: “أنتَ خجول”، “أنت حسَّاس”، “أنتَ عنيد”.
وأنتَ لا تتذكَّرُ متى اخترتَ أن تصدِّق القصَّة، فتتصرَّف وفقَها، وتدافعُ عنها أحيانًا: “أنا لا أستطيع “، “أنا لا أفهم الرّياضيات”، ثمَّ تنسى أنَّها كانت في الأصلِ، مجرَّد اقتراح.
2.كيف صارَ القناعُ جزءًا من وجهك؟
لا تولَدُ بقناعٍ على وجهك؛ إنَّما ينمو مع الزمن، تسمعهم يوجِّهونك: لا تقُل، لا تُظهِر، لا تكنْ مختلفًا أكثرَ من اللازم، ومع التكرار، تصيرُ هذهِ القواعدُ صوتَكَ الداخليَّ، فتعيدها على أسماعك.
تصمتُ في جلسةٍ عائليَّة، لأنَّ “الخجولَ لا يتحدَّث”، ولا تشاركُ في الحصَّة، لأنَّ “الضعيفَ في الرياضيات” لن يُجيب، وتتجنَّب ارتداء الكنزةَ التي حاكتها جدَّتُكَ خوفًا من السخرية، وتتركُ الحذاءَ المريح، لأنَّهُ غيرُ رائج.
كانت صديقتُنا “أليس” تكبرُ بقطعةِ فطرٍ تأكلها، حتَّى يلامسُ رأسُها السقف، ثمَّ تصغرُ بقطعةٍ أخرى فتكادُ تختفي، ولا تعرفُ أيَّ حجمٍ هو حجمُها الحقيقيّ.
هذا الارتباكُ ليس بعيدًا عنك: هذا أنت، تكبرُ لترضيَ الجميع، وتصغرُ لتختبئَ حين تريد أن تكونَ على حقيقتك. وفي الحالتين، لا ترتاح.
3.لماذا تشعر أحيانًا أنَّ شيئًا ما غير صحيح؟
كان هاري بوتر _ بالتأكيدِ تعرفُه_ يعيشُ تحتَ الدرَج. قال له أقاربه إنَّهُ عاديّ، ولا شيءٌ مميَّزٌ فيه، ومع ذلك، ظلَّ في داخلهِ إحساسٌ ضئيل، عنيد، لا يختفي، بأنَّ هذا غيرُ صحيح. لم يعلمْ بأنَّهُ ساحر، لكنَّهُ شعرَ دائمًا بالتميُّز والاختلاف.
هذا الإحساسُ هو الفارقُ بينَ من يبحثُ عن نفسِهِ ومن يستسلِم. ربَّما مرَّ بكَ أيضًا: حينَ تفعل شيئًا لا يشبهُك، أو تَصِف نفسَكَ بكلمة، ثمَّ تتوقَّفُ فجأة: هل قلتُها فعلًا، أم أنَّ أحدًا ألصقَها في فمي؟
هذه اللحظاتُ مربِكة، لذلك تتجاهلها، لكنَّها لا تختفي؛ تبقى هناك، تنتظرُ أن توليها الانتباه.
4.لماذا أركض خلفَ أرنبٍ لا يعرفُ حتّى اسمي؟
لا أحد يُجبِرُكَ على أن تكونَ شخصًا معيّنًا. وهذهِ هي الحيلةُ بالضبط: غيابُ الإكراهِ يجعلكَ تظنُّ أنَّ ما تختاره صادرٌ من داخلِك. لكن انظرْ حولك: الشاشات، والإعلانات، ومقاطعُ المؤثِّرينَ والمشاهير؛ جميعُها تهمِسُ بثقة: هذا هو النجاح، هذه هي القوَّة، هذا هو الجمال، هذا هو الحلم.
تذكَّرْ أرنب “أليس” الأبيض: لم يكُن الأرنب مهمًّا، بل بدا كذلك، وكانَ هذا كافيًا. كم أرنبًا أبيضَ تَبعت؟ كم مرَّةً قلت: “أريدُ هذا”، لأنَّ الجميعَ يريدُه، لا لأنَّهُ يليقُ بك بالفعل؟
5.ماذا لو لعبتَ الحقيقة… مرَّة واحدة؟
تعالَ نجرِّبُ هذه اللعبة: حين تُسأل: “ما رأيك؟ ماذا تريد؟ لماذا لا تكون مثل فلان؟ أجِب بصدق: “لا أُحبُّه”. “هذا ليس رأيي”. “لا، شكرًا”. “أُريد شيئًا آخر”.
لا تفعل هذا لتتمرَّد، ولا لتصدمَ العالم _ فالعالمُ مشغولٌ جدًّا بنفسِه_ لكن، افعلهُ لتختبرَ شعور أن تكون بلا قناع. بعدها، راقب نفسك: هل شعرتَ بالرِّضا؟ هل ابتسمتَ؟ هذا يعني أنَّ حقيقتك ما زالت حيَّة، تحتَ كلِّ هذهِ الطبقات، تنتظرُ دورها.
6.من أنتَ قبلَ أن يخبركَ أحد؟
تعلَّمَ الأميرُ الصغيرُ من الثعلب، حكمةً بسيطة: ” ليست الندرة هي ما يجعلُ الأشياءُ ثمينة، لكن العلاقة التي نبنيها معها”. وردتُهُ صارت غالية، لأنَّهُ قضى وقتًا معها، واهتمَّ بها.
وأنتَ كذلك، لن تعرف نفسك بالأحكامِ الجاهزة، تعرفها حين تجلسُ معها: في التفكير العميق، في الاعترافات الصادقة، في شجاعة أن تقول: “لا أعرفُ من أنا بعد، لكنَّني أُحاول”.
كلمةُ “خجول” التي وصفتكَ وأنت في السادسة، لم تكنْ دقيقة. لن تكونَ فاشلًا، لأنَّ علامةً خانتك. ولنْ تكونَ غريبًا، لأنّكَ لا تشبهُ ما يُعرضُ على الشاشات، لستَ وردةً بين آلاف، أنتَ فقط، رفضتَ أن يتمَّ تصنيفك.
لو كنتُ في مثلِ عمرك، لسألتُ نفسي: من أنا حقًّا قبلَ أن يخبرَني أحدٌ بمن يجب أن أكون؟ لا تجب بسرعة، فالسؤالُ ليسَ اختبارًا، هو رفيقٌ مخلص. احتفِظْ به، ودعهُ يرافقُكَ إلى لحظاتِ فراغِك.
والأهمّ: ابتسِم، فأنتَ تفعلُ ما لا يفعلهُ كثيرون؛ تحاولُ أن تكونَ حقيقيًّا في عالمٍ مليءٍ بالأقنعة، وهذا وحدُهُ… ساحِر.