عن عمري الذي ضاع بدون قراءة

علا عليوات

إنه سؤال يتكرر كثيرًا في برامج التلفزيون ومقابلات المشاهير، ربما لأننا نحب أن نتخيل أنه يمكننا التحكم بسير الزمن وتغيير الماضي، ولو كنّا ندرك استحالة ذلك. حلم يقظة جميل ننفصل فيه عن الواقع للحظات ونشبع شيئًا من حنيننا إلى أيام الطفولة والشباب. لا أحب هذه اللعبة، لكن لو سألني أحد هذا السؤال فإنني أعرف الإجابة جيدًا: لو عاد بي الزمن والتقيت بنفسي حين كنت في الخامسة عشرة من عمري، فسأقول لها شيئًا واحدًا: اقرئي واقرئي واقرئي!

أحببت القراءة منذ صغري، وكنت أقرأ كلّ ما تقع عليه يدي، مجلات ماجد التي كان أبي وأمي يحرصان على شرائها لي كل أسبوع، ومجلات العربي التي أجدها في منزل جدي، والكتب الموجودة في مكتبتنا في البيت، مثل ألف ليلة وليلة أو الكتب التي يحتفظ بها أبي منذ أيام الجامعة. لكنّ هناك كتبًا كثيرة غابت عني وفاتتني قراءتها في سنوات المراهقة، التي أدركت أنه كان يمكنني أن أقرأ فيها أكثر بكثير مما قرأته، لكن لم يكن حولي أشخاص محبون للقراءة ينصحونني بكتب معينة لقراءتها، ولم يكن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد وصلوا إلى التطور الذي هم عليه الآن بحيث تجد منشورات في كل المنصات تتحدث عن الكتب، بل وتوفرها وتجعلها في متناول اليد أيضًا.

ولمّا كان الوقت الذي أضعته من دون قراءة من أكثر الأشياء التي أندم عليها، وأندم أنني لم أقرأ كتبًا كان يجدر بي قراءتها قبل سنوات كثيرة، قررت أن أضع هنا بعض الكتب التي أنصح اليافعين بقراءتها، وإن كانت كتبًا تصلح للقراءة في أي عمر، لكن أعتقد أن قراءتها في سنوات الشباب المبكرة ستكون لها متعة خاصة وأثر خاص.

  • كتب أحمد خالد توفيق: تعرفت إلى كتابات الدكتور أحمد خالد توفيق بعد أن بلغت الثلاثين، وأحببت بشكل خاص الكتب التي يجمع بها مقالاته الاجتماعية والسياسية وتلك التي يتحدث بها عن الكتابة. لكنّني أتمنى لو كنت تعرفت إلى أعماله القصصية في سنوات مراهقتي، مثل سلسلة “ما وراء الطبيعة” التي أعتقد أنها كانت ستفتح لي بابًا جديدًا من المتعة والتشويق والخيال، ناهيك عن لغتها القوية والبسيطة في آن، إضافة إلى مجموعاته القصصية الأخرى مثل “عقل بلا جسد”، و”الآن نفتح الصندوق، و”حظك اليوم”.
  • كتب أغاثا كريستي: لا بدّ أنكم تعرفون هذا الاسم جيدًا، فهي أشهر مَن كتب روايات الغموض والألغاز البوليسية، وبعد أن قرأت لها لأول مرة أدركت  أنني كان يجب أن أبدأ قراءة رواياتها منذ زمن طويل، ليس لما تنطوي عليه من متعة وتحدٍ في حل الألغاز فحسب – والتي كنت أفشل فيها كل مرة، ولم أفلح قطّ في تخمين القاتل بشكل صحيح- بل لما فيها من براعة في وصف وتصوير الشخصيات وإتقان للحبكة. لو عاد بي الزمن فعلًا لنصحت نفسي بقراءتها مع الانتباه إلى ما قد تحتوي عليه من إشارات عنصرية أحيانًا، فهي في النهاية ابنة زمانها مثل كل شيء آخر، ومكتوبة على يد كاتبة بريطانية من الحقبة الاستعمارية، لكنّ ذلك لا يعني الامتناع عن قراءتها، بل جعلها تدريبًا ممتعًا على القراءة الواعية والنقدية. من رواياتها المفضلة لدي “جريمة قطار الشرق السريع”، و”مقتل روجر أكرويد” و”ثمّ لم يبقَ أحد”.
  • القصص القصيرة لأنطون تشيخوف: أتذكر قصة قرأتها في طفولتي في إحدى مجلات الأطفال، قصة قصيرة طريفة وعميقة في الوقت ذاته، بقيت عالقة في ذهني حتى هذا اليوم. عرفت حين كبرت أنها قصة لأنطون تشيخوف، أحد أعظم كتّاب العصر الحديث. بالنسبة إليّ ككاتبة، تمثّل أعمال تشيخوف مدرسة في الكتابة، أمّا كقارئة، فتمثّل مدرسة في الحياة. القصص القصيرة لتشيخوف جديرة بأن تُقرأ في مرحلة مبكرة وتُعاد قراءتها في جميع المراحل، وهي مدخل مناسب لقراءة الأدب العالمي.

تمثّل كل من هذه الكتب نوعًا مختلفًا من الأدب، لكنها تلتقي جميعًا في شيء واحد: متعة القراءة. لذا، إن كنت سأقدم نصيحة واحدة في نهاية هذا المقال فهي أن تقرؤوا ما تجدون فيه المتعة، وألّا تسمحوا لأحد بإيهامكم أنّ القراءة يجب أن تكون مفيدة فقط ولا يهمّ أن تكون ممتعة، ففي رأيي، الكتاب الذي تستمتع به هو أكثر كتاب يمكن أن تستفيد منه أو يؤثر فيك، والكتاب الممل، مهما كان مفيدًا، لن يعلمك الكثير ولن يبقى معك طويلًا. اقرؤوا بقدر الإمكان، في كل مكان، ولتكن القراءة لكم ملاذًا وفرصة للتأني والتقاط الأنفاس في عالم يجبركم على الاستعجال في كل شيء!